German
English
Turkish
French
Italian
Spanish
Russian
Indonesian
Urdu
Arabic
Persian

تجسد المسيح وبنوته الإلهية

أولا: تساؤلات المسلمين

 

إذا كان يسوع (عيسى في القرآن) واحدا من سلسلة طويلة من الأنبياء، فكيف يكون أعظم من محمد خاتم الأنبياء؟

 

ولد يسوع (عيسى في القرآن) بطريقة عجائبية، من غير أب. هو واحد من أولي العزم من الأنبياء. جرت على يده معجزات خارقة، لكن هل يبرر ذلك اعتباره إلها؟

كيف يكون إنسان إلها وإنسانا في آن واحد؟  

كيف يسمح الله لنبيه أن يموت صلبا؟ وكيف لنا أن نتصور إلها يتألم ويموت؟

 

ثانيا: نظرة المسلمين

 

نظرة عامة

 

    ان الله عُلويٌّ، أي أنه يختلف كليا عن مجمل الكائنات في الخليقة جمعاء. ويرتعد المسلمون بشدة من أية محاولة لإشراك أي مخلوقات  بالله (بمن فيهم الإنسان) أو تشبيهها به. ينسجم هذا الإحساس بالخوف تماما مع ما جاء في القرآن من انتقادات متكررة ومكثفة للشرك والمشركين. كما يعتبر المسلمون أن الألقاب التي يطلقها المسيحيون على يسوع (مثل: ابن الله، وعلى مريم مثل: أم الإله، أقرب إلى التجديف منه إلى الكلام. أضف إلى ذلك أنه يُنظر إلى صور المسيح المصلوب على أنها استفزاز للمسلمين لأن الإسلام يحرم تصوير الإنسان عموما، والأنبياء خصوصا.

 

نظرة مفصلة

 

غالبًا ما يؤكد القرآن على طبيعة الله العليا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [سورة الشورى:11]. فالله خالق كل شيء ومختلف كليا عن الخليقة.انهما مستويان مختلفان.

 

ويحظى المسيح في القرآن بمكانة مرموقة بين الأنبياء أجمعين، إذ جاء فيه:

(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ. وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [سورة الأنعام: 87-85].

 

وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [سورة البقرة:253]

 

وعيسى الذي بشر به يوحنا المعمدان (يحيى في القرآن) (سورة آل عمران:39) ولد من العذراء مريم من غير أب بشري.

 

(فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا (أي مريم) رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً . قَالَتْ إِنِّي أَعُوذ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ... قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ  وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً. فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [سورة مريم: 17 -22].

دعا عيسى إلى التوحيد المطلق، وجرت على يديه معجزات عظيمة. وحاول اليهود صلبه، لكن الله نجاه ورفعه إليه، وهو  سيعود في آخر الزمان كعلامة (آية) على نهاية العالم و اقتراب اليوم الآخير.

 

جاء في القرآن: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [سورة آل عمران:55].

وجاء كذلك: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما) (سورة النساء: 158-157).

 

وبحسب ما ورد في سورة مريم، تكلم عيسى في مهده فقال: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً (سورة مريم:33).

وذكر كذلك في القرآن أن عيسى بشر بنبوة أحمد (أي النبي محمد):

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [سورة الصف:6]. كما نكر تأليه ذاته إذ ورد في القرآن:

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ (سورة المائدة: 117-116).

ويدعو القرآن يسوع: "كلمة من الله" و "كلمة الله" و "روح من عند الله" لكنه لا يدعوه أبدا "ابن الله":

 

إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [سورة آل عمران:45]

 

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً). [سورة النساء:171].

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [سورة الإخلاص] .

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ. [سورة المائدة:72].

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). [سورة التوبة:30 -31]

وتعد  هذه الآيات القرآنية  ابرز الايات المتعلقة بالمسيح. صحيح أن يسوع يتبوّء مكانة مرموقة في القرآن، إلا أن هناك مساحة أكبر مكرسة للكلام عن إبراهيم وموسى.

يسعى علم الكلام الإسلامي إلى وضع عيسى وكل ما يتميز به (مثل ولادته من غير أب بشري، معجزاته، وألقابه من "كلمة الله" و"روح من الله") في سياق ما هو "عادي" و"طبيعي" لدى الأنبياء، إذ ورد في القرآن: إِنَّ مَثَلَ عيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة آل عمران:59]، بل ينظر القرآن إلى خلق آدم بلا أب ولا أم معجزة أكبر من ولادة يسوع من غير أب. أما نعت يسوع بـ "كلمة الله" فإشارة إلى كونه نبيا، أو بالأحرى إلى قوة كلمة الله الخالق التي تكوّن بفعلها في أحشاء مريم. على أي حال، يبقى محمد نبيا أعظم منه بما أنه "خاتم الأنبياء" (سورة الأحزاب:40).

من الجدير بالذكر  ان التصوف الإسلامي يعد يسوع خاتم الأولياء، لأنه حتى لو كان محمد خاتم الأنبياء إلا أن الله أنعم بكلمته وروحه كليا على يسوع. 

وتُبرز الكتابات الإسلامية المعاصرة يسوع على أنه رجلُ حق عانى الاضطهاد (كامل حسين)، نبي المحبة (عباس محمود العقاد)، محرر البشرية (خالد محمد خالد)، أو ملهم لشخصية سامية (فتحي عثمان).

ولا تلعب بشكل عام شخصية يسوع دورا بارزا في الحياة الدينية الإسلامية، لا بل تحتل مكانة أدنى شأنا من مريم. ويرى المسلمون إن المسيحيين عظموا شخص يسوع وبالغوا في دوره. و يرون في تأليهه ضربا من التجديف. أضف إلى ذلك ان المسيحيين على مرّ التاريخ  قاموا بشن حروب العالم الإسلامي باسم صليب يسوع المسيح" الحروب الصليبية"!!

 

ثالثا: نظرة المسيحين 

 

من دعوة المسيح على الأرض إلى  الايمان  بالفصح .

يعلن المسيحيون في قانون ايمانهم  بالله الاب الخلق وبيسوع المسيح ابنه الوحيد. ان هذا الايمان ببنوة المسيح  الالهية يرى فيه اليهود والمسلمون تجديفا على الله  هو ما يميز المسيحية عن غيرها بأجلى بيان. تشدد آخر الدراسات حول العهد الجديد على كون المسيح إنسانا بكل معنى الكلمة... لكنه إنسان فريد، فيه  يتحقق ملكوت الله. وكشف المسيح في حياته وتعليمه ان الله أبٌ حقّا. وما البشرى التي حملها لنا  سوى ان الله هو ابونا ونحن جميعاً اخوة واخوات  وان  الانجيل  هو    " انجيل يسوع المسيح ابن الله" (مرقس 1-1). ولد المسيح وترعرع على غرار جميع البشر، لكن بعد أن ترك بيته وأسرته في الناصرة، تلقى العماد على يد يوحنا المعمدان (يحي). واختبر اصطفاء الله له "ابنا حبيبا" بواسطة الروح القدس: " انت ابني الحبيب، بك سررتُ"(مرقس 1-11 ). فيسوع ابن الله لأن الله وضع حبّه فيه. وفي الواقع نرى في الانجيل كله ان اساس حياة يسوع وعمله وحياته وسلطته هو حبّ الله، وليس علاقة مادية. وقد  أرسله ليبشر العالم بهذه البنوّة. ونجد صدى للقب " ابن الله" في مقاطع عديدة من العهد القديم  مثلا يقال عن ملك إسرائيل ابن الله  (المزامير 7:2) وعن شخصية  "خادم الله"  الذي بفضل آلامه المبرحة، يبلغ خلاص الله أقاصي الأرض إلى ما بعد إسرائيل (راجع: أشعيا 42:1-7، وأشعيا 49:1-7; 50:4-11; 52:13 – 53:12). قال يسوع أنه أعظم من جميع الأنبياء ومعلمي الشريعة الذين سبقوه " ان هنا أعظم من الهيكل " (متى 12/6) ومن اعظم من الهيكل سوى الله صاحب الهيكل؟). عمومًا يبدأ معلم الشريعة كلامه بهذه العبارة: "قال موسى". والنبي بـِ:"هكذا قال الرب". أما يسوع وبدون إسناد إلى أي مرجعيّة يقول ببساطة: "الحقَّ أقول لكم".  وهذا واضح في العظة على الجبل، أي" التطويبات": قيل لكم، اما انا فاقول لكم(متى الفصول 5-7). وفي مسقط رأسه، الناصرة يقول: “أنا هو الذي تتحقق فيه الوعود التي تنبأ بها الأنبياء"(لوقا 4: 14-30) و" ان من يعمل بمشيئة ابي الذي في السموات هو أخي واختي وامي " (متى 12-50)، "فسجد له الذين في السفينة وقالوا: انت ابن الله حقا" 0متى 14-32) فاجاب بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي( متى 16-16) أخيرا، عندما يتكلم يسوع عن الله، لا يضع نفسه في نفس موقع المستمعين أمام "الآب"، بل يميز بين "أبي" و " ابيكم" جميع المجامع الكنسية استندت  الى هذا الايمان الانجيلي في موضوع اعلانها ان يسوع وحده هو "الإبن" بالمعنى الأسمى لهذه الكلمة. وسرعان ما أدرك المستمعون إلى عظات يسوع أن أمامهم خيارين لا ثالث لهما: إما أن يقبلوا بكلامه الذي لم يسبق له مثيلا، مكرسين ذاتهم له ولتعاليمه، أو أن ينظروا إليه على أنه دجال ومجدف لا سابق له. وبالتالي أن الذين اختاروا ألا يؤمنوا بيسوع تصرفوا بطريقة منطقية عندما سعوا إلى اعتقاله وإدانته وتصفيته جسديًا، إذ اعتبروه مجدفا بحسب قانونهم ومخلا بالأمن بحسب قانون الرومان المحتلين. وقد بدا هؤلاء ظاهريا على حق فيما سخروا منه على الصليب، ولم يحدث شيئا: "خَلَّصَ غيرَهُ مِنَ النَّاس، ولا يَقدِرُ أَن يُخَلِّصَ نَفْسَه !” (مرقس 15:31). أما ما جرى بعد الصلب فان الإحباط الذي سيطر على التلاميذ لم يدم طويلا (لوقا 24-21)، فقد ظهر لهم يسوع حيا وقائما من بين الأموات" وتراءَى للأحد عشر انفسهم وهم على الطعام.. وقال لهم: اذهبوا في العالم كله، وأعلنوا البشارة الى الخلق أجمعين" ( مرقس 16-14-15).   وقيامة يسوع كانت نقطة انطلاق ايمان الرسل وتلامذتهم به  وقوّى هذا الحدث  ايمانهم  ببنوته الالهية واعتبروها أفضل تعبير عن هويته. ورفعوا إليه الصلوات.  وعلى ضوء شهادتهم اعترف به علنا من أمن به لاحقا والى اليوم. لا شك ان لقب " ابن الله" هذا يعبر بقوة عن جوهر الإيمان المسيحي.

وقد لمّح يسوع بنفسه عن حقيقة هذا اللقب في الأناجيل. فهناك مقاطع عديدة يشير  فيها إلى ذاته  انه :“الإبن"، و"ابن الله" وان  الله " ابي"  (مثلا: متى 16:16، مرقس 14: 61-62 ولوقا 1: 32). 

ويشير لقب "ابن الله" على يسوع أكثر من مجرد إنسان وان بنوته الالهية تختلف عن الصور التي تقدمها اساطير الاولين عن أبناء الآلهة.  انه “ابن الله" الأوحد" وليس عن طريقة مادية او فلسفية انما عن علاقة حبّ ووجدان. فيسوع المسيح الانسان هو نفسه ابن الله وكلمته، صار انسانا ليرفع الانسان الى الله. انه عمانوئيل، أي الله معنا، وحضوره فيما بيننا، فيه تسير البشرية الى الله.

 

 

ان لقب "الرب"  وباليونانية (Kurios)،  الذي اطلق على يسوع   استخدمته الترجمة اليونانية للعهد القديم،  (ومعناها الرب الاله في العبرية)، فراى المسيحيون الاولون بعد قيامة المسيح وتمجيده انه لقب ملائم جدا لله،  فهو " السيد" حقا ولربما كان من الطبيعي أن يعتمد قيصر هذا اللقب ويطالب بإكرام يليق بالآلهة ان يامر  بقتل المسيحيين الآوائل  بسبب رفضهم تكريمه وتأليهه واصرارهم  على أن "يسوع وحده هو السيد الرب" .

 

تطور عقيدة الكنيسة حول شخص المسيح

تعاليم الكنيسة بشأن يسوع (عيسى) تامة الوضوح: هو ابن الله الذي صار إنسانا ! يسوع حقا إنسان وهو أخ لنا. ولد من أم بشرية. ترعرع وكبر، وتعلم مهنة(النجارة)، وقاسى الجوع والعطش، واختبر شتى المشاعر من فرح وشفقة وخوف وغضب. هو إنسان من جسد وروح. هو حقا واحد منا، قريب منا. هذا الإيمان بحقيقة التجسد هو الذي برر في نظر المسيحيين التصوير الفني ( الايقونة) لكل من مريم ويسوع اثار المسلمين الرافضين الصور.

تمسكت الكنيسة عبر القرون بهذه التعاليم. صحيح أنه يسهل على الكثيرين الإيمان بإله لا يكون حاضرا على هذه الأرض إلا ظاهريا، ولا يكون قد عاش وتألم إلا ظاهريا. إلا أنه في هذه الحال، لن يدخل الله فعلا إلى طبيعتنا البشرية وبالتالي، لن ننال الخلاص إلا ظاهريا. لكن الله تجسد فعلا من أجل البشر وخلصت بالتالي طبيعتنا البشرية بفضل تجسده وافتدائه لنا. 

يبقى ركنا أساسيا في الإيمان المسيحي أن ابن الله واحد منا بكل ما في هذه الكلمة من معنى عدا الخطيئة.  تجتمع بالتالي في المسيح كل من الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية. وقد جاهد المسيحيون لقرون عديدة وهم يخوضون غباب معاني هذه العبارة. كان لا بد على مرّ التاريخ من رفض عدد من الهرطقات التي ركزت على جانب واحد دون سواه من طبيعة المسيح: إما الإلهية أو البشرية. فالحقيقة أن المسيح إله وإنسان في آن واحد حتى لو عجزنا عن تفسير هذا الواقع: هو إنسان، له روح وإرادة بشريتان تسمحان له بفضل طاعته البشرية لمشيئة الآب أن يفتدي طبيعتنا البشرية. وهو في الوقت نفسه إله "مساوٍ للآب في الجوهر" وفقًا لما أعلنت عنه الكنيسة عام ٣٢٥م في مجمع نيقيا. تتحد كل من الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية في شخص المخلص الواحد. يغدو بالتالي اختبار حضور الله خبرة شخصية. والمؤمن بهذا يلتقي مع يسوع المسيح الإنسان كما يلتقي في الوقت نفسه مع الله.

وضمن إطار الإجابة عن أسئلة المسلمين، لا ينبغي حجب حقيقة أن المسيح ابن الله المتجسد، باعتبارها ركنا أساسيا في قانون الإيمان المسيحي. ولا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَقول: (( يَسوعُ رَبٌّ)) إِلاَّ بِإِلهامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس (رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتس 12:3).

ينظر الإيمان المسيحي إلى ذاته على أنه الجواب الذي ألهمه الروح القدس عن السؤال المطروح حول شخصية المسيح التاريخية. وبما أن الاعتراف بالإيمان المسيحي ردة فعل نابعة من الإيمان، لا يمكن بالتالي الطلب ممن لا يشارك المسيحي هذا الإيمان بأن يقدم على هذا الاعتراف أيضا..

لا بد من ملاحظتين في هذا المقام، أولهما: أنه ينبغي احترام النقد الأدبي والتاريخي (للنصوص)، أقله إذا ارتكز على عمل أكاديمي جاد ولم يكن ثمرة الخيال المبدع. ثانيا، على الجميع، بمن فيهم غير المسيحيين، الاعتراف بأن التفسير المسيحي حول طبيعة المسيح هو  ايمانهم ويجب احترامه. 

 

 

رابعا: أجوبة المسيحيين

 

 

يحتل سر التجسد وسر ألوهة المسيح مقاما مميزا في الإيمان المسيحي. وبالنسبة للمسيحيين لا تشير عقيدة التجسد إلى "تأليه" إنسان، بل في التجسد، تتخذ كلمة الله الأزلية جسدا  بشريا. ويشير تعبير "ابن الله" إلى أصل يسوع الإلهي، وإلى حقيقة أن الله أظهر نفسه من خلال يسوع إلى البشرية بطريقة فريدة تفوق ادراكنا البشري!. هذه ليست إفادة بيولوجية تجعل من الله أحد أفراد العائلة بحكم تجسده. في هذا السياق نورد نصا من  مجمع لاتران الرابع (1216م)، حيث يقول: "الحقيقة (حول طبيعة المسيح) أنه مولود غير مخلوق" (5). وهذا يتجاوب مع سورة الإخلاص في القرآنلَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد). إلا أن سياق هذا النص القرآني مختلف تماما، لأنه يحتج أولا وأساسا على وثنيي مكة الذين آمنوا بقدرة الإله على الإنجاب البيولوجي. أما التعاليم المسيحية حول يسوع، فلا يأتي هذا النص القرآني ردا عليها في المقام الأول.

ورد الكلام في هذا الفصل عن تاريخ الحملات العسكرية باسم المسيح وسنأتي للحديث عنها في الفصل التاسع أدناه.

 

بين عقيدة التجسد في المسيحية من جهة والنصوص القرآنية من جهة أخرى، يمكن التماس بعض الروابط المهمة بالنسبة للمسلمين، إذ يحتل القرآن في الإسلام المكانة المركزية نفسها التي يحتلها يسوع في الإيمان المسيحي. يرى المسلمون إن كلام الله أزلي ومطابق لجوهر الله بحسب ما قاله متكلمون كثر. ولقد أوحى كلام الله في شكل كتاب (القرآن) ليصبح كلاما لفظيا. يكتسب تعبير "كلمة الله" معنى مختلفا بالنسبة للمسيحيين والمسلمين، مما يعني أن المفهوم المسيحي لكلمة الله هو يسوع في حين يختلف المفهوم القرآني له. يشهد المسيحيون في إيمانهم أن يسوع الناصري الرب المصلوب والقائم من بين الأموات، هو وحي الله النهائي والكامل في التاريخ.

 

 

__________________________________________________________

(5) الولادة هي فعل داخلي، أي من نفس طبيعة الوالد، بينما الخلق فعل خارجي.


Contact us

J. Prof. Dr. T. Specker,
Prof. Dr. Christian W. Troll,

Kolleg Sankt Georgen
Offenbacher Landstr. 224
D-60599 Frankfurt
Mail: fragen[ät]antwortenanmuslime.com

More about the Authors?