German
English
Turkish
French
Italian
Spanish
Russian
Indonesian
Urdu
Arabic
Persian

الصليب، الخطيئة والخلاص

أولا: تساؤلات المسلمين

 

كيف يجوز أن يتألم الإله الأزلي ويموت على الصليب ؟ كيف يتخلى الله عن أحد أعظم أنبيائه، أي يسوع ويسلمه لأعدائه ؟ كيف يضحي الآب بابنه على الصليب ؟ هذا كله تجديف ببساطة.

لا يمكن لموت إنسان صالح وبريء أن يمحو ذنبا ارتكبه آخر، ولا أن يُكفّر عن خطيئة اقترفها آخر. فموت البريء مكان المذنب لظلم شنيع.

لا يحتاج الله مطلقا إلى تلك "التضحية" التي تتحدث عنها المسيحية لكي يغفر الخطايا. فالله هو العلي العظيم، يغفر ذنوب الناس ولا يطلب في المقابل إلا توبة إليه أو حتى مجرد البقاء على الأيمان القويم كالمسلمين. إن الله رؤوف وليس قاضيا ظالما.

لماذا تتحمل البشرية جمعاء عواقب خطيئة آدم فتمسي خاطئة؟ كيف يتسنى اعتبار الأطفال الرضَع خطأة وهم لا يستطيعون ارتكاب أية خطيئة ؟ أليس كل فرد مسؤولا عن أفعاله؟

ليست الطبيعة البشرية شريرة بالفطنة، فلماذا هذا التشاؤم في المسيحية ؟

هل يرفض اللاهوتيون المسيحيون المعاصرون قبول وجهة النظر القاضية بأن الشعب     اليهودي مغضوب عليه من الله بسبب دوره في وفاة المسيح المفجعة ؟

 

 

 ثانيا: نظرة المسلمين

 

 نظرة عامة

 

كل إنسان مسؤول عن أعماله ويلقى جزاءه عليها خيرا كان أم شرا. أما الأفكار القائلة بأن الأطفال يحملون عبء خطيئة آبائهم، أو أن على شخص أن يكفّر عن آثام الآخرين، فليست إلا ترهات غير منطقية.

 

يبالغ المسيحيون في ضخامة الخطيئة وخطورتها. ينبغي فهم الخطيئة أساسا على أنها تجاوز للأحكام الأخلاقية والاجتماعية (أي ممارسة ما هو محظور أو حرام)، أو في أسوأ أحوالها، مخالفة لشريعة الله. ليست تعد على الله بنفسه، لأنه أعظم وأعلى من أن يلحقه ضرر من خطايا خليقته. الله عليم ورحيم، وعظيم وكريم لذا فالغفران يسير عليه. يمكن للإنسان أن يكون مسلما صالحا وإن لم يلتزم بالشريعة التزاما صارما في كل صغيرة وكبيرة. أما الخطيئتان التي لا غفران عليهما، فهما الشرك والارتداد عن الإسلام.

عقيدة التجسد في المسيحية مشككة بحد ذاتها، لكن ليس بقدر المزاعم المسيحية عن الصلب، مع فكرة إله يصبح إنسانا ويموت على الصليب كأنه ملعون. لذلك، رفض القرآن المزاعم المسيحية حول صلب المسيح بحسم وندد بها بعنف وصخب.

لا شك أنه كان للصليب آثارا مدمرة عبر التاريخ، إذ أمسى رمزا لمغامرات تكاد لا تمت بصلة للمحبة المسيحية، مثلا: الحروب الصليبية التي يرتبط اسمها في اللغات الغربية  والعربية بكلمة "صليب" "crusades" بالإنجليزية، كلها تنبع من كلمة صليب، وكذلك الحركة الاستعمارية الغربية، التي ارتبطت خلالها القوة السياسية بالكنيسة المسيحية ارتباطا وثيقا. وحتى اليوم غالبا ما تستخدم المناقشات حول التوترات بين العالم الإسلامي والغربي رمزي الصليب والهلال.

رغما عن ذلك كله، يتمسك المسيحيون حتى اليوم بإيمانهم بـ "صليب الخلاص". ولا يزال التعليم المسيحي والكتابات الدينية تقول ما مفاده: "كفّر المسيـح عن خطايانا ... كنا جميعا مذنبين بسبب خطيئة آدم وحواء... لكن المسيح كفّر عن خطايانا أمام العدالة الإلهية“.

 

نظرة مفصلة

1.البشرية والخطيئة

بين القرآن والكتاب المقدس تقارب في رواية خطيئة آدم (سورة البقرة: 30-38، سورة الأعراف: 19-27 وسورة طه: 117-123): أمر الله آدم وزوجته (واسم حواء لم يرد في القرآن) ألا يأكلا من شجرة الحياة (شجرة الخلد في القرآن)، لكنهما يعصيان أمر الله ويأكلان منها. لا بد من الإشارة في هذه المرحلة أنه بحسب النسخة الواردة في القرآن، تاب آدم فعفا الله عنه وغدا آدم أول الأنبياء المعصومين.

وقد كان لخطيئة آدم آثارها المباشرة على أعضاء سلالته إذ طردوا من الجنة، وأصبحوا عرضة لتجربة الشيطان، وامتلأت حياتهم اليومية بالشقاء والعناء. لكن القرآن ينفي بحسم في آيات أخرى أية فكرة عن المسؤولية الجماعية . الآية المتكررة هي: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (سورة الأنعام : 164، سورة النجم: 38، سورة الإسراء: 15). وكون آباءنا خاطئون لا يمنحنا قطعا العذر لاقتراف  الخطايا. على كل إنسان أن يكون على وعي بمسؤوليته الفردية. أما في اليوم الأخير، فنحاسب جميعا فردا فردا، ويمثل الجميع أمام الله ليحاسب على أعماله. جاء في سورة الزلزلة:  7-8(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ). راجع أيضا سورة الطور: 21، سورة النجم: 38، سورة الواقعة: 4-11، وسورة الانفطار: 19).

مع ذلك، يقر القرآن بأن الإنسان ميال إلى الشر بالفطرة. فعندما يشير اليه عموما، غالبا ما يؤكد على أنه عاص، كافر، قاس، متهور، مشاكس وغير جدير بالثقة. وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في سور عديدة منهـا : سورة البقرة: 75، سورة آل عمران: 72، سورة المائدة: 61، سورة الأنعام:43، سورة الأعراف: 94-95، سورة إبراهيم: 34، سورة الإسراء:11، سورة الملك:100، سورة الكهف:54-55، سورة الأحزاب: 72، سورة الأنبياء:37 وسورة الفتح :26: الإنسان يسفك الدماء ويفسد في الأرض (سورة البقرة:30) منذ بدء تاريخ البشرية حيث قتل ابن آدم أخاه (سورة المائدة: 27-32)، وصولا إلى قتل بني إسرائيل لأنبيائهم (سورة البقرة: 61، سورة آل عمران: 21 و181-183، سورة النساء: 155، سورة المائدة: 70). يتحدث القرآن عن النفس الإنسانية قائلا: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) (سورة يوسف:  53).

ويشير القرآن إلى أن الناس جميعا يتشاركون في ارتكاب الآثام كما يتشاركون في عمل الصالحات. فالمفسدون الضالون لا يخشـون الله ويأمرون الناس بالمنكر (سورة المائدة:78، سورة الأنفال:73، سورة الأنبياء:54، سورة البقرة:109، سورة آل عمران: 69- 98-110، سورة المائدة:49). أما المؤمنون والمؤمنات فبعضهم أوليـاء بعض، يأمرون بالمعروف، ويذكرون بعضهم بعضا بفعل الصالحات (سورة النساء: 114، سورة التوبة: 71، سورة الممتحنة: 10).

وعن الشفاعة، يرى علماء الكلام المسلمون إن كل رسول يشفع لقومه (سورة النور: 62، سورة آل عمران: 159، سورة النساء: 54، سورة الأنفال: 33)، وسوف يشفع محمد لأتباعه، مستجيبا لدعوات وتوسلات المؤمنين له طلبا للشفاعة. وبطبيعة الحال لن تأتي شفاعته إلا بإذن من الله (سورة البقرة:255 ، سورة يونس: 3، سورة مريم: 67). وهنالك توجه ملحوظ لدى الصوفيين نحو توسيع دائرة الشفاعة والشفعاء بحيث يكون هناك شفعاء من "الأولياء" إلى جانب الأنبياء، وإن كان المتكلمون يعارضون ذلك التوجه خشية من أن يفتح الباب أمام الخرافات.

 

1.الصليب

 

يدحض القرآن بحسم موت يسوع على الصليب: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (سورة النساء: 157، سورة آل عمران:55).

 

 التفسير الرائج بين مفسري القرآن لعبارة "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ" هو التالي: صُلب شخص آخر وقع عليه شبه يسوع بدلا منه. ومن بين هؤلاء البدلاء، حسبما أورده المفسرون ومفسرو الحديث، يأتي كل من القائد الروماني، وسمعان القيرواني، وبطرس، ويهوذا الإسخريوطي.  ولو نظرنا إلى التقليد الإسلامي برمته، لن نجد فيه شكا بأن يسوع لم يصلب، بل فيه تأكيد جازم على أن الله حفظه من أعدائه، وحمله بعيدا عن أيديهم، ورفعه إليه في السماء. وبحسب هذا التقليد، سيعود يسوع مرة أخرى ليعلن اقتراب نهاية العالم واليوم الأخير.

لا بد أن نفهم لماذا ينكر القرآن والإسلام حدثا تاريخيا مثبتا (أي صلب المسيح). بغض النظر عن تأثيرات فرقة الظاهرية أو الاتجاهات الغنوصية، فإن التوحيد الخالص الذي يدعو إليه القرآن نفسه يقود إلى الاستنتاج أن المسيح لم يمت على الصليب. يتبع عدد من قصص سلالة الأنبياء في القرآن النمط نفسه: يُبعث النبي إلى قومه، لكنهم يرفضونه، عدا قلة صغيرة، ويسعون إلى قتله، لكن الله ينجيه من بطشهم، لأنه لا يسلّم رسوله إلى أعدائه قط. لا بد من الاعتراف بأن القرآن، في الفترة المدنية، انتقد بني إسرائيل، أجداد يهود المدينة، لقتلهم الأنبياء الذين بعثهم الله إليهم. لكن هذا استثناء إذ يتحدث النموذج الواضح في القرآن عن الأنبياء الذين نجاهم الله من أيدي أعدائهم ووهبهم النصر ضد غير المؤمنين. وتسير قصة المسيح في القرآن ضمن  هذا النمط نفسه.

 

2. التكفير عن الخطايا

 

غالبا ما يعرض القرآن الله على أنه غافر ورحيم. ولا تنفصل توبة الخاطئ عن مغفرة الله، لا بل قد يسبق عفو الله توبة الإنسان وأسبابها: (تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (سورة التوبة: 118). ويعلِّم علماء الكلام أن التوبة تمحو الخطيئة. وفقا للمعتزلة، يأتي هذا المحو شبه تلقائيا، أما لدى الأشاعرة، فالغفران رهن مشيئة الله لأنهم لا يرون علاقة بين توبة الإنسان والعفو الإلۤهي: قد تمحو التوبة ذنب التائب لكن حتى لو لم يتب، قد يختار الله أن يغفر له. وعلى أي حال يعتقد الأشاعرة أنه ما دام الإنسان قد آمن، وحتى لو لم يبق في قلبه إلا ذرة من الإيمان (الإسلامي)، فمآله إلى الجنة وذلك خلافا لما ورد في القرآن وعلى لسان علماء الكلام المعاصرين الذين يؤكدون على أهمية الأعمال الصالحة لدخول الجنة.

 

 

 

 

ثالثا: نظرة المسيحيين

 

الخطيئة الأصلية

 

يتفق معظم اللاهوتيين وعلماء الكتاب المقدس المعاصرين على معنى نصوص الفصل الثالث من سفر الخروج والرسالة إلى أهل روما:5: 12-21). لا تقدم هذه النصوص بحثا علميا عن أصول الجنس البشري ومراحل التطور الإنساني، بل تعرب، عبر سرد رمزي، عن قناعات تنشأ عن طريق ملاحظة الشر والإثم في العالم.

 

وطالما أن البشر يعيشون على الأرض – ومهما كان أصلهم - فالخطيئة موجودة مثل الأنانية الفردية والجماعية، والصراعات المدمرة، والتمرد على الله ووصاياه، وعبادة الاوثان. يختبر كل إنسان في نفسه الصراع بين الخير الذي يريد أن يصنعه والشر الذي يجذبه (راجع: الرسالة إلى أهل روما 7: 21-25). وتعمل قوة الشر الجذابة في  صميم طبيعتنا البشرية: تظهر منذ المهد في كل طفل. يميل الجنس البشري بالفطرة إلى الانسجام والمودة مع الله، بل هذا جزء من "إرثه الطبيعي" المصقول بتاريخ الخير والشر الطويل وخاصة بشبكة من الذنب الشخصي. يقوّض كل ذلك من إمكانية التفاهم والتوحيد بين الناس بعضهم لبعض من جهة، وبين الإنسان والله من جهة أخرى. ويمكن تلخيص هذه الحالة في عبارة واحدة من الإنجيل:  "خطيئة العالم- أي العالم الرافض لله" (يوحنا: 1:29). ويصل بولس الرسول إلى الاستنتاج التالي: كل إنسان، أكان يهوديا أو وثنيا، بُرّر بنعمة الله المتجلية في يسوع المسيح (الرسالة إلى أهل روما 3: 21-25 ؛ الرسالة إلى أهل أفسس 2 : 8-9). من خلال المعمودية، يضع المؤمن نفسه تحت سلطة المسيح الذي فيه تحطمت سلطة الخطيئة وهنا، يُنظر إلى الخطيئة على أنها بيئة أو محيط أو سلطة وليس عملا فرديا. 

وبذلك، فالكلام عن "الخطيئة الأصلية" لا يشير إلى خطيئة شخصية تجعل كل إنسان مذنبا من المهد إلى اللحد. كما أنه لا يوجد في الأناجيل ولا في أي من التعاليم الرسمية للكنيسة ما يسمح لنا بالحديث عن انتقال ذنب الآباء الى الأطفال. يعترض النبي حزقيال بشدة على تلك الفكرة (حزقيال 18) وكذلك المسيح (متى 16: 17؛ يوحنا: 9: 2-3).

 

الصليب والخلاص

 من المؤسف  ان الإيمان بالخلاص بواسطة الصليب ادى أحيانًا  إلى  لبس في التفكير وممارسات دينية غير سليمة: منها تمجيد المعاناة والعذاب والافتخار بها، مما أدى إلى التلذذ بالآلام، أو اتخاذ الطاعة الراضخة نموذجا، أو بروز عقلية تقيم حسابات تجارية في شأن العدالة الإلهية، أو السعي طوعا إلى التكفير عن ذنوب الغير بدلا عنهم...الخ. أضف إلى ذلك ما نشاهده من تمجيد بعض القادة الثوريين المعاصرين لبذل الذات في "الصراع" المقدس نحو تحقيق العدالة والتحرر. لذلك لا بد من استعادة بعض الحقائق المسيحية اصالتها اللاهوتية.

 

3.الصليب عاقبة حياة المسيح

في حياة المسيح ذاتها خلاص وتحرر. إذ برهن في تصرفاته عن حرية داخلية تجاه الممارسات الدينية وتطبيقات الشريعة الشائعة آنذاك والتي فُسرت، أقله جزئيا، على عكس المشيئة الإلهية فألقت أعباء غير ضرورية على الناس ( متى 11: 28؛ 23: 4؛ لوقا 11: 46). أدت هذه المقاربة إضافة إلى الإخلاص الذي نقل فيه المسيح وجه الله الحقيقي- الآب المحب لكل الناس من دون شروط - إلى نقمة وسط قادة الشعب. لهذا، حكموا عليه بالموت متضامنين مع أولئك الذين خاب أملهم فيه. أسلموه إلى الرومان الذين أعدموه على الصليب العار تنفيذا لقوانينهم. قتلُ المسيح نتيجة حتمية لكل ما بشر به خلال حياته.

 

رأى أعداء يسوع في وفاته على الصليب حكما مبرما على شخصيته: كان لا بد لمزاعمه أن تخلو من أي أساس وإلا فلم تخلى الله والبشر عنه؟ بدا كذلك للتلاميذ الذين آمنوا بحضور الله نفسه في يسوع وباقتراب ملكوت الله، أنهم خدعوا. بناء على ذلك، ظن الجميع إن تعاليم يسوع حول الله لا بد أن تكون خاطئة.

 

لكن لم تستمر حالة الارتياب والشك هذه لدى التلاميذ، إذ اعترفوا بأن الله تجلى من خلال يسوع. لا بد أن يرتكز هذا الجهر على كون عيونهم قد تفتحت، فرأوا المسيح المصلوب بنور جديد وباتوا قادرين على ملاقاته بطريقة جديدة.

 

علينا بالتالي ألا ننظر إلى صلب المسيح على أنه برهان عن خطأ ارتكبه في التبشير بمحبة الله اللامتناهية والتصرف على هذا الأساس. وكما ذكر إرهارد كونز (ERHARD KUNZ) : "يمكن فهم موت المسيح على الصليب على أنه ثمرة جوهرية وعميقة لمحبة الله، فلا يأتي الصليب ليشوه رؤية المسيح وتعاليمه بل ليؤكد عليهما. إذ من أحب الآخر وفعل له الخير، من دون شروط مسبقة حول كيفية الإعراب عن هذا الحب، سيبقى واقفا إلى جانب الآخر بغض النظر عن تغيير ظروفه، ومظهرا إيمانه بالآخر حتى ولو أحدق الخطر به.  من يحب على طريقة المسيح، لا يهتز من الآلام ولا يتراجع، بل يأخذ نصيبه منها، ويظهر التعاطف بمعناه الحرفي أي "أن يعاني مع" (لوقا: 10 : 30-37).  وعليه فإن الحب كما فهمه المسيح لا يفصل نفسه عن أولئك الذين سقطوا في الخطيئة، بل يتحمل الشر ويسعى إلى التغلب عليه بواسطة الخير. وعبر تحمل الظلم والعنف من دون مرارة، يحطم هذا الحب الحلقة المفرغة القائمة على الثأر والانتقام (العين بالعين والسن بالسن).  وعندما يواجه الشر هذا الحب الذي لا يرد الصاع صاعين، يقف فارغ اليدين. وبهذا ينتصر الحب على الشر. وفي عالم يسود فيه الشر، يؤدي الحب بالتالي إلى قبول عنف ظالم وفي أسوأ الحالات، إلى مواجهة موت ظالم (راجع: متى 3 : 38-48).

 

وإذا شاء المسيح أن يشهد لله، المحبة اللامتناهية، في عالم مليء بالآلام والشر، فما من سبيل سوى تحمل العنف الظالم. لذلك فملاقاة الأخطار والعنف لا تقيّد رسالة المسيح الأساسية، بل هي السبيل المؤدي إلى انتصار الحب الحقيقي في عالمنا. ولا يمكن الوصول في عالمنا هذا إلى الخير الذي يسعى إليه الحب، إلا من خلال المحبة والآلام المنتصرة على الشر.. وكما جاء في إنجيل يوحنا (12: 24): "إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَراً كثيراً". من هذا المنظور، لا يبدو موت المسيح على الصليب نهاية محتومة تثبت وهميّة ما سبقها من أحداث، بل هي تحقيق ضروري لرسالة المسيح وكهنوته. فالمسيح بآلامه قد "أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، واحبهم للغاية " (يوحنا 13: 1).

 

4.اهمية موت المسيح الخلاصية على ضوء قيامته

عبر إقامة يسوع  من بين الأموات، يؤكد الله على المعنى الباطني الذي أراده لحياة المسيح وموته. وعندما أقام الله المسيح من الموت إلى الحياة، جعله حاضرا للأحياء في كل زمان ومكان. وبات بالتالي معنى حياة المسيح وموته حاضرا معنا في كل يوم وكل ساعة. فالمسيح قام من بين الأموات، وهو حي في الله، مما يعني أنه قادر اليوم على نقل حب الله الغافر إلى البشرية جمعاء، على غرار ما فعله قبل قيامته. وبصفته قائما من بين الأموات، يتمتع بالقوة على تحريرنا من الموت والخطيئة. نتيجة لذلك، ينال كل إنسان الخلاص بقصد  أو بدون قصد، شرط أن يشارك المسيح حياته، أي أن يعيش الإيمان في الحقيقة النابعة من الله بالطريقة نفسها، ويحب أخاه وصولا إلى بذل الذات، ويغفر من دون شروط لأعدائه ومعارضيه. هكذا تنقطع سلسلة الكراهية التي تجمع الأشرار وضحاياهم معا. باختصار، يمكن القول أنه من خلال إقامة المسيح، جعل الله الحب ينتصر على الكراهية.

 

المسيح هو الرب المخلَّص المكفّر عن خطايانا من خلال القيامة التي حولت حياته ومماته المثاليين إلى قوة قادرة على تحريرنا من ربقة الخطيئة والموت، ففتحت الطريق أمام الناس للدخول في حياة المسيح ابن الله.

نستطيع بالتالي أن نقول مع الكتاب المقدس: لم يمت المسيح "من أجل خطايانا" وحسب؛ أي أنه لم يكن ضحية كفرت عن الأنانية والكراهية والأخطاء الحاضرة في العالم وفي داخلنا وحسب، بل مات لأجلنا نحن الخطأة، أي ليشق لنا الطريق فنتحرر من خطايانا، ويعطينا قوة ونعمة للوصول إلى الخلاص.

 

5.أولى التأملات المسيحية حول حياة المسيح وموته

وقع التلاميذ، رجالا ونساءً، في حالة ذهول بعد قيامة المسيح من بين الأموات. كانوا مقتنعين بفشل هذا النبي وموته، وإذا بالروح القدس يملؤهم بخبرة حضور المسيح القائم من بين الأموات. ها هم الآن يبشرون به ربا ومخلَّصا. فبات من المنطقي أن يسعوا إلى إيجاد تفسير لموته المشين مستعينين بالنماذج اللاهوتية المتاحة لهم في الكتاب المقدس، مثلا: فكرة الشاهد العظيم أو الشهيد الذي يؤكد من خلال تكريسه الكلي والحر، وفاءَه للرسالة التي أوكلها إليه الآب (يوحنا 10 :18؛ و18: 37، راجع أيضا سفر الرؤيا 1 :5 و3 :14). ففي الكتاب المقدس تُظهر هذه النماذج  الشتى، من العبد المتألم الذي يموت تكفيرا عن خطايا شعبه (أشعيا 50: 5-8)، إلى المخلص نفسه، يهوه بذاته، الجوئيل (gö ël) الذي يفتدي شعبه بتحريره من العبودية في مصر و"شرائه" أو "عتقه" ليصبح شعبه المختار (سفر الخروج 6: 6-8، وقارن سفر 2 صموئيل 23:7، وسفر إرميا32:31 )، وصولا أخيرا إلى فكرة التضحية الكاملة حيث تقدم الضحية نفسها فتأخذ مكان الأضحية الحيوانية التي قُدمت من قبل (رسالة العبرانيين 27:7، 12:9، 26، 28، 10:10، 12-14، وقارن الرسالة إلى أهل روما 10:6، ورسالة بطرس الأولى 18:3).

برزت جهود المسيحيين الأوائل لجعل موت المسيح مفهوما على ضوء قيامته من بين الأموات في شتى كتابات العهد الجديد. كما أن مفردات التقليد المسيحي نمت وتطورت نتيجة لعملية التفكير في هذه المسألة من العبرية إلى اليونانية وصولا إلى اللاتينية وغيرها من اللغات والثقافات، ومن هذه المفردات نذكر على سبيل المثال: الاستشهاد، التحرر، الخلاص، التكفير، التضحية، التعويض والاستبدال.

6.لاهوت الخلاص 

  إلى جانب البناء على هذه المفردات، وانتزاعها جزئيا من سياقها الكتابي، استفاد لاهوت الخلاص من البيئة الثقافية السائدة في ذلك الزمان، مع مراعاة الجوانب التشريعية العزيزة على قلب الغرب اللاتيني، فنشأ عن هذه التفاعلات نظريات عديدة، منها التالية :

1. نظرية العقاب (للآباء اللاتين والقديس أوغسطينوس (354-430)): تستدعي الخطيئة عقوبة مساوية للتعدي. لكن المسيح بنفسه تحمل هذا العقاب ليخلصنا فدفع هذه "الفدية" إلى العدالة الإلهية. يذهب بعض الآباء الى حد القول إن المسيح سدد دين خطيئة البشرية إلى إبليس الذي أخذ الجنس البشري رهينة لديه.

2.النظريات اللاهوتية عن البديل أو التكفير (طرطليانس (حوالي 160 – 220)، وأنسلمس الكانتربري (1033 – 1109)) القائلة ما يلي: الخطيئة معصية ضد الله وبما أنه أزلي، فإن معصيته تتطلب تكفيرا أزليا، وهذا ما يعجز الإنسان عن تقديمه لأنه كائن فان.. لذا قدم الله في جزيل محبته وسيطا عبر استبدال ابنه بنفسه وتقديمه عن البشرية جمعاء. يكفر الابن بالتالي عن خطيئة البشرية ويرضي العدالة الإلهية.

فسر كبار لاهوتيي العصور الوسطى، وخاصة توما الأكويني (1225-1264م)، أغراض المحبة المتضمنة في العمل الخلاصي. كان بإمكان الله أن يغفر زلاتنا مباشرة، لكن لو فعل لعنى ذلك أنه يكاد لا يولي أي قيمة للجنس البشري الذي خلقه الله على صورته ومثاله خليفة له على الأرض. أراد الله من الإنسان أن يشاطره الغفران والخلاص في المسيح - الإنسان فعلا - أولا، ثم مع المسيح وفي المسيح لكي يكون هذا الخلاص في كل إنسان. وبفضل النعمة الإلهية، "يُرفع" الإنسان فيقتاد بالمسيح ويشارك في تحقيق خلاصه، بأن يحيا ويموت مستسلما لمشيئة الله، مقتديا بمثال المسيح. تتسم هذه الحياة المقتدية بيسوع المسيح بالإيمان والتوبة والطاعة لصوت الضمير.

وسط هذه النظريات اللاهوتية وغيرها ينبغي أن نتوقف لبرهة عند ما يلي: أولا، "عبء" عملية الخلاص في نظرية العقاب. ثانيا، كون المسيح حمل خطايا العالم متحملا عواقب هذا العبء في نظرية البدل. ثالثا، مشاركة الإنسان في خلاصه الذاتي في نظرية الاستحقاق. رابعا، بذل المسيح حياته في نظرية الفداء. لا فائدة من الغوص في الأطر القانونية الخاصة بكل من هذه النظريات. لكن فوق كل شيء، ينبغي ألا نفصل بين موت المسيح على الصليب وحياته وقيامته من بين الأموات.

رابعا: أجوبة المسيحيين

الخطيئة الأصلية ليست خطيئة شخصية أو ذنبا ورثناه عن آدم، بل انها تشير إلى البيئة العامة السائدة بسبب خطايا هذا العالم، هذه البيئة التي يتعرض لها كل إنسان من المهد إلى اللحد. والخطيئة بحد ذاتها عمل شخصي يتحمل الإنسان مسؤوليته شخصيا. ولا يسعنا أن نتجاهل ميل الإنسان إلى الشر ولا التأثيرات السلبية والتجارب التي تجرنا نحو الشر. أضف إلى ذلك، أن في العالم دفاع وتبرير اجتماعي للخطيئة، مما يزيد من قوة الشر فيه.

موت المسيح على الصليب حقيقة تاريخية ثابتة  ولا سبب لرفضها. إلا أنني أتفهم الأسباب التي جعلت القرآن ينكرها. ينكر القرآن موت المسيح على الصليب ليظهر امانة الله وعنايته تجاه من اصطفاه. لذا من الضروري توضيح الأمر من وجهة نظر الإيمان المسيحي: لم يتخل الله عن المسيح على الصليب بل أقامه من بين الأموات واستحال موته مجدا.

علاوة على ذلك، فإن الله لم "يسلم المسيح للموت" كما لو كان يؤدي دورا محتوما في دراما كتبت سلفا، يلعب فيها كل مشارك دوره كالدمية. حكم البشر على المسيح بالموت بسبب مواقفه المعلنة تجاه الله والشريعة. كان ضحية قوى الشر: الكراهية، الظلم، الحسد، والأنانية التي لا تزال تسيّر هذا العالم.

ولقد أكد المجمع المسكوني  الفاتيكاني الثاني  ( المنعقد بين 1962 – 1965) على كون خطايا العالم مسؤولة عن وفاة المسيح. ورفض المجمع تحميل مسؤولية موت المسيح  لأحفاد اليهود الأحياء في ذاك الوقت أو للشعب اليهودي برمته سواء في الماضي أو الحاضر(6).

والخلاص ليس محاولة لاسترضاء إله منتقم، يطلب من أجل استعادة شرفه ومجده، التضحية بشخص بريء ليكفر بالإنابة عن الخاطئين، إنما بالخلاص تظهر محبة الله الرحيمة والغافرة في حياة المسيح وموته وقيامته. المسيح بذل حياته من أجل من أحبهم فأعطى البشر هبة الاتصال بالله و القدرة على أن يحيوا حياة يملؤها الحب.


 

 

_______________________________________________________________

       (6) وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، المكتبة الشرقية1969، جزء 2  التصريح حول اليهود رقم 4 ص 

Contact us

J. Prof. Dr. T. Specker,
Prof. Dr. Christian W. Troll,

Kolleg Sankt Georgen
Offenbacher Landstr. 224
D-60599 Frankfurt
Mail: fragen[ät]antwortenanmuslime.com

More about the Authors?